حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

214

التمييز

وقال لقمان : المفروح به هو المحزون عليه ، ليس الصفو ما عاد كدرا ، ولا الكدر ما عاد صفوا ولكلّ مدة غاية . وجاء في الحديث « تفرّغوا من هموم الدّنيا ما استطعتم » « 1 » ، وكان عمر رضي اللّه عنه يقول : اقدعوا « 2 » هذه الأنفس فإنّها أسأل شيء إذا أعطيت وأعطى شيء إذا سئلت ، كن نصوحا لنفسك فليس أحد أرأف بك منك ، الانسان إلى تجنّب ما يضرّ أحوج منه إلى تناول ما ينفعه ، ولكل شيء صناعة وصناعة العقل حسن الاختيار ، وإن الأرجح هو اختيار القليل من الدّنيا ، والدّليل على ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عرضت عليه كنوز الأرض فلم يقبلها . وقال أفلاطون : ليس يطول التذاذك بشئ حسيّ ولا طبيعي / 95 أ / لأنّه سريع التنقّل والحركة وإنمّا يثبت لك الالتذاذ بالأشياء العقليّة التي تثبت ولا تحتاج إلى حراسة هيولاها « 3 » . وقال : سلطان العقل على باطن العاقل أشدّ من سلطان السّيف على ظاهر الأحمق ، لا تعاشر ذوى اليسار دون غيرهم وترى أنّهم أخفّ عشرة وأقلّ مئونة عليك من سائر طبقات النّاس ، فإنّ مودتهم فاسدة ورئاستهم كاذبة وبهم يشتدّ حرصك ، ويقسو على أهل المسكنة قلبك وأنت منهم في حسد قائم وتغيّر لازم ، ولكن عاشر ذوي النّباهة في الرأي لئلا يغيب عنك علم ما يتوقّع من محبوب أو مكروه ، وليس يحيى للفضائل إلّا من مات موتا إراديا . مال الغنيّ وبال عليه ، ما وجد ظاهر الخلّة شديد الفاقة مكديّ الاكتساب لا تنصب في نفسك جميع ما يعدك الأمل فتحزب في الحرص وتسرف في التواضع وتشقى في الردّ ، ولكن أمزج بين ما ترجوه من الأمل بما تخافه فإنّ هذا يوفر سعيك ويعظّم قدرك ويسلّيك عما قصرت عنه . وجاء في الحديث « لا تبالوا من ذلّ الدّنيا وشدّتها فانّ ذلّ الدّنيا وشدّتها لصاحبها عز وراحة في الآخرة » . وقال بعض الحكماء : أخرجوا من الدّنيا قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ففيها حييتم ولغيرها خلقتم ، وإنّ الرّجل إذا مات قالت

--> ( 1 ) الفتح الكبير 2 / 34 - 35 . ( 2 ) القدع : هو المنع ( 3 ) هيولاها : الهيولى في عرف الحكماء هي الجوهر للاتصال والانفصال وهي محل للصورتين أي الجسمية والنوعية . الهيولى لفظ يوناني معناه الأصل والمادة . دستور العلماء 4 / 479 ؛ كتاب تدبير المتوحد ، ص 56 .